فخر الدين الرازي

196

المطالب العالية من العلم الإلهي

يقول : إن ذوات الأجسام قديمة ، أما التركيبات فهي محدثة . والقائلون بهذا القول أيضا . فريقان : منهم من يقول : إن تلك الأجزاء كانت في الأزل متحركة بالطبع في الخلاء الذي لا نهاية له ، ومنهم من يقول : إنها كانت ساكنة واقفة ، أما القائلون بكونها متحركة فهم أصحاب « 1 » ديمقراطيس ، زعموا : أن عنصر العالم الجسماني له أجزاء لا تتجزأ بحسب الوقوع ومتجزئة بحسب الوهم ، وزعموا : أنها على صور الكرات ، والكرة إذا وقعت على الخلاء المتساوي ( المتشابه ) « 2 » فإنه يمتنع بقاؤها ساكنة ، لأنه لما كانت جميع الأحياز بالنسبة ( إليه ) « 3 » على التساوي كان إبقاؤه على الوضع الواحد رجحانا لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وإذا ثبت هذا ظهر أن تلك الأجزاء يجب كونها متحركة لذواتها حركات مضطربة غير مناسبة ، ثم اتفق لتلك الأجزاء ( المضطربة ) « 4 » أن تصادمت على وجه خاص فيما بعد ، وتدافعت في حركاتها ، فالتوى البعض على البعض ، واعتمد البعض على البعض فتولد من تصادمها وتدافعها ، والتواء بعضها على البعض هذه الأجرام الفلكية . وهذا هو السبب في تولد الأجرام الفلكية . فما لم تقيموا الدلالة على بطلان هذا الاحتمال ، لا يحصل مقصودكم من إسناد تخليق هذا العالم إلى القادر الحكيم . ولا يقال : ولم حصل كل واحد من تلك الأجزاء الكروية في حيزه « 5 » المعين ؟ لأنا كنا قد ذكرنا : أن كل واحد منها كان متحركا من الأزل إلى الأبد ، فحصول كل حالة لاحقة ، إنما كان لأجل أن الحالة السابقة ، أعدت المادة لحصول تلك الحالة اللاحقة . فهذا تقرير قولهم في كيفية تولد الأفلاك . وأما كيفية تولد العناصر ، فقالوا : إنه لمّا تولد جرم الفلك بالطريق

--> ( 1 ) شيعة ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) من ( ز ) . ( 5 ) جزء معين ( س ) .